هل يمكن للعبة أن تُبقي طفلًا في المدرسة؟ من مؤتمر التسرب المدرسي إلى «مهارة وشهادة»


إعداد فريق: مهارة وشهادة


حين نتحدث عن الألعاب التعليمية، فنحن في «مهارة وشهادة» و«الجزري الرقمي» لا نتعامل معها بوصفها وسيلة للترفيه داخل الصف، ولا بوصفها صيحة عابرة في التعليم الرقمي.

 

بالنسبة إلينا، السؤال أكبر من ذلك بكثير:

 

هل يمكن أن نجعل التعلّم ممتعًا إلى درجة تدفع الطفل إلى البقاء؟ وهل تستطيع اللعبة التعليمية أن تعيد إلى الطالب فضوله وثقته ورغبته في المعرفة؟

 

هذا السؤال ليس جديدًا في مسيرتنا. إنه يرتبط بسنوات من العمل في التعليم والتدريب والبحث، وبمحطة مهمة كانت منطلقًا للتفكير في العلاقة بين المدرسة والجاذبية والتقنية والدافعية: مؤتمرنا الدولي لمعالجة التسرب المدرسي عام 2019، الذي أُقيم بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم الأردنية.

 

ومن هناك بدأت أفكار كثيرة تتجمع لتقود، بعد سنوات، إلى ما ترونه اليوم في منصاتنا ومشروعاتنا الرقمية.

 

عندما يغادر الطالب المدرسة... لا يكفي أن نسأله لماذا غادر

 

التسرب المدرسي مشكلة معقدة. وراءه عوامل اقتصادية واجتماعية وأسرية وجغرافية وتعليمية متعددة.

 

لكن هناك سؤالًا تربويًا ظل حاضرًا أمامنا:

 

هل المدرسة نفسها جذابة بما يكفي للطفل؟

 

قد ننجح في بناء مدرسة، ووضع منهاج، وتوفير معلم وكتاب، لكننا لا نضمن بذلك أن يكون الطفل متشوقًا إلى التعلم.

 

فالطالب لا يعيش اليوم في العالم نفسه الذي صُممت فيه كثير من طرائق التعليم التقليدية.

 

خارج الصف توجد شاشة ملونة، وفيديو، ولعبة، وتحدٍ، ومنافسة، ومكافأة فورية، وعالم يتفاعل معه في كل ثانية.

 

ثم يدخل أحيانًا إلى بيئة تعليمية يُطلب منه فيها أن يجلس طويلًا ويتلقى ويكرر ويحفظ.

 

وهنا يصبح السؤال مشروعًا:

 

لماذا لا نستفيد من بعض عناصر الجاذبية الموجودة في عالم الطفل لنصنع بها تعليمًا أفضل؟

 

من هنا تدخل اللعبة التعليمية

 

اللعبة التعليمية ليست استراحة من التعلم.

 

عندما تُصمَّم جيدًا، فإنها شكل من أشكال التعلم نفسه.

 

فالطفل قد يتعلم من خلال مهمة.

 

ويفهم من خلال لغز.

 

ويتدرب من خلال منافسة.

 

ويصحح خطأه لأنه يريد أن يحاول مرة أخرى.

 

ويتعاون مع زميله لأنه يحتاج إليه كي يفوز الفريق.

 

وهنا تتغير العلاقة مع المعرفة.

 

بدل أن نقول للطالب:

 

احفظ هذه المعلومة لأنك ستُمتحن فيها،

 

يمكن أن نصنع موقفًا يحتاج فيه إلى المعلومة حتى يحل المشكلة ويتقدم في اللعبة.

 

إنه فرق جوهري.

 

المعلومة في الحالة الأولى عبء مطلوب.

 

وفي الثانية أداة يحتاج إليها المتعلم.

 

مؤتمر التسرب المدرسي لم يكن بالنسبة إلينا حدثًا ينتهي بانتهاء المؤتمر

 

من المبادئ التي حرصنا عليها في مسيرتنا أن المؤتمرات لا ينبغي أن تنتهي بصورة جماعية وتوصيات محفوظة في ملف.

 

بعد مؤتمر معالجة التسرب المدرسي عام 2019 بدأنا ننظر بجدية أكبر إلى ما يمكن أن نصنعه نحن بأنفسنا.

 

كيف نوسّع فرص الوصول إلى التعلم؟

 

كيف نستفيد من البيئة الرقمية؟

 

كيف نجعل المعرفة متاحة خارج حدود المكان والوقت؟

 

كيف نقترب من الشباب والطلاب باللغة التي يعيش بها جيلهم؟

 

وكيف نحول التوصيات إلى مسار عمل؟

 

ومن هذه البيئة الفكرية بدأت تتطور لدينا مشروعات التعليم الرقمي، وصولًا إلى منظومة أصبح من أبرز مكوناتها اليوم «مهارة وشهادة».

 

«مهارة وشهادة» ليست بعيدة عن فلسفة اللعب... بل تقع في قلبها

 

قد لا تبدو المنصة لعبة إلكترونية بالمعنى المعتاد، ولكن انظر إلى فلسفتها:

 

تختار.

 

تقرأ.

 

تبحث.

 

تجرب.

 

تختبر نفسك.

 

تنجح.

 

تصل إلى نتيجة.

 

وتوثق إنجازك.

 

هذه في جوهرها رحلة ذات هدف وتحدٍ ونتيجة.

 

والفرق أن الجائزة ليست نقاطًا افتراضية فحسب.

 

الجائزة الحقيقية هي مهارة جديدة ومعرفة جديدة، ثم شهادة توثق ما أنجزته.

 

لهذا نقول:

 

هنا لا تنتظر من يقودك.

هنا أنت من يقود تعلّمك.

 

وهذا قريب جدًا من أحد أهم أسرار اللعبة الجيدة: أن يشعر اللاعب بأنه صاحب القرار، لا مجرد متلقٍ للأوامر.

 

الاعتماد على الذات نفسه يمكن أن يكون تحديًا ممتعًا

 

في التعليم التقليدي يكون المعلم غالبًا في المركز.

 

أما في نموذجنا، فنريد أن ينتقل جزء أكبر من المسؤولية إلى المتعلم.

 

اقرأ.

 

ابحث.

 

حاول.

 

اخطئ.

 

عد إلى المادة.

 

اختبر نفسك مرة أخرى.

 

هذه الرحلة لا تختلف كثيرًا عن منطق اللعبة:

 

محاولة → نتيجة → تعلم من الخطأ → محاولة جديدة → تقدم.

 

ولهذا فنحن لا ننظر إلى الاعتماد على الذات بوصفه نقصًا في الخدمة.

 

بل بوصفه مهارة نريد بناءها.

 

الألعاب التعليمية ليست للأطفال فقط

 

عندما نسمع كلمة «لعبة»، نفكر غالبًا في الطفل.

 

لكن الألعاب التعليمية والتلعيب يمكن استخدامهما مع الأطفال والشباب والبالغين وطلبة الجامعات والمتدربين والموظفين.

 

يمكن تحويل تدريب إداري إلى محاكاة لاتخاذ القرار.

 

ويمكن تعليم اللغة من خلال مهمة في مدينة افتراضية.

 

ويمكن تدريب الطالب على التفاوض من خلال موقف تمثيلي.

 

ويمكن تعليم البيئة من خلال تحدٍ لإدارة المياه.

 

ويمكن تحويل التربية المدنية إلى لعبة يطالب فيها الشباب بسياسة عامة أو يتفاوضون حول قضية مجتمعية.

 

ويمكن تعليم العربية للناطقين بغيرها عبر ألعاب الأصوات والحروف والأسواق والرحلات والمواقف اليومية.

 

وهذا المجال قريب جدًا من خبرتنا التعليمية والبحثية الحالية، وليس موضوعًا ننظر إليه من بعيد.

 

من تعليم العربية إلى تصميم ألعاب التعلم

 

أحد المجالات التي نعمل عليها مباشرة هو الألعاب التعليمية في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها.

 

والسبب بسيط.

 

تعلم اللغة لا يحدث عندما يعرف الطالب القاعدة فقط.

 

يحدث عندما يستخدم اللغة.

 

عندما يسمع.

 

ويميز.

 

ويختار.

 

ويتحدث.

 

ويخطئ.

 

ويحاول مرة أخرى.

 

ولهذا تصلح اللعبة بصورة استثنائية لتعليم اللغة.

 

يمكن أن يتحول الفرق بين الحروف المتشابهة إلى تحدٍ.

 

والمفردات إلى سوق.

 

والوصف إلى لغز.

 

والمحادثة إلى مهمة سياحية.

 

والمدينة إلى خريطة يجب أن يصل فيها المتعلم إلى وجهته باستخدام العربية.

 

هنا لا يتعلم الطالب اللغة لكي يلعب.

 

إنه يلعب لكي يستخدم اللغة ويتعلمها.

 

مواقعنا نفسها جزء من الفكرة

 

عندما بنينا حضورنا الرقمي لم نرد مواقع جامدة لا تقول شيئًا للزائر.

 

نحن نريد فضاءات جميلة، واضحة، جذابة، تتحرك فيها المعرفة بسهولة.

 

ومن هذه المنظومة:

 

مهارة وشهادة

https://skills-workshops.org/

 

الجزري الرقمي للذكاء الاصطناعي والابتكار البحثي

https://digitalaljazari.org/

 

مجلة أبحاث المعرفة الإنسانية الجديدة

https://global-journal.org/

 

مجلة عصر الاندماج الرقمي

https://diejournal.org/

 

مجلة الحياة الرقمية والتكنولوجيا

https://digitallt.org/

 

هذه ليست مواقع منفصلة في رؤيتنا.

 

إنها أجزاء من بيئة أوسع تجمع التعليم والبحث والذكاء الاصطناعي والنشر والتدريب والابتكار.

 

وكلما تطورت هذه البيئة اقتربنا أكثر من هدفنا: أن تكون المعرفة العربية أكثر وصولًا وجاذبية وتفاعلًا.

 

الجاذبية ليست ترفًا

 

أحيانًا ينظر إلى التصميم الجميل والصورة والحركة واللعبة باعتبارها زينة.

 

نحن نراها بصورة مختلفة.

 

إذا كان شكل البيئة التعليمية يؤثر في رغبة الإنسان في الدخول والبقاء والاستكشاف، فإن الجمال يصبح جزءًا من تجربة التعلم.

 

لماذا تُنفق المنصات التجارية مبالغ هائلة لتجعل المستخدم يبقى أطول وقت ممكن؟

 

لأنها تعرف أن التصميم والسلوك مرتبطان.

 

فلماذا لا يستخدم التعليم الفكرة نفسها لخدمة المعرفة؟

 

نحن لا نريد أن يصبح التعليم إعلانًا تجاريًا.

 

لكننا نريد أن يتعلم من قدرة العالم الرقمي على جذب الانتباه والمحافظة عليه.

 

هل تستطيع اللعبة مواجهة التسرب المدرسي؟

 

لن نزعم أن لعبة تستطيع وحدها حل مشكلة اجتماعية معقدة مثل التسرب المدرسي.

 

هذا سيكون تبسيطًا غير علمي.

 

لكن الألعاب التعليمية تستطيع أن تكون جزءًا من الحل.

 

يمكنها أن تزيد المشاركة.

 

وتقوي الدافعية.

 

وتجعل بعض المواد أقل رهبة.

 

وتمنح الطالب فرصة للفشل دون وصمة.

 

وتعطيه تغذية راجعة سريعة.

 

وتسمح بالتعاون.

 

وتخلق شعورًا بالإنجاز.

 

وتساعد على استعادة فضول قد يفقده الطالب في بيئة شديدة التلقين.

 

وهذه ليست أمورًا هامشية.

 

فالطالب الذي يشعر أنه قادر على النجاح يختلف عن الطالب الذي يتلقى يومًا بعد يوم رسالة ضمنية بأنه عاجز.

 

اللعبة الجيدة لا تخدع الطالب

 

هناك فرق بين أن نضع نقاطًا وألوانًا فوق تعليم تقليدي ونسمي ذلك لعبة، وبين أن نصمم تجربة تعلم حقيقية.

 

اللعبة التعليمية الجيدة تحتاج إلى:

 

هدف تعليمي واضح.

 

تحدٍ مناسب.

 

قواعد مفهومة.

 

دور للمتعلم.

 

قرار يتخذه.

 

نتيجة يراها.

 

فرصة للمحاولة من جديد.

 

ومعرفة أو مهارة تتولد من التجربة.

 

وهذا هو النوع الذي يهمنا.

 

نحن لا نريد أن نزيّن التلقين.

 

نريد أن نعيد التفكير في طريقة التعلم نفسها.

 

الطفل والشاب لا يريدان دائمًا مزيدًا من الشرح

 

أحيانًا يحتاج المتعلم إلى أن نفعل شيئًا أكثر جرأة:

 

أن نتوقف قليلًا عن الشرح ونتركه يفعل.

 

اعطه مشكلة.

 

اعطه أدوات.

 

ضع أمامه هدفًا.

 

دعه يختبر أفكاره.

 

ثم ناقشه فيما فعل.

 

هذه النقلة من «قل لي» إلى «دعني أجرب» هي قلب التعلم النشط، وقلب كثير من الألعاب التعليمية الناجحة.

 

وهي أيضًا قريبة جدًا من فلسفة «مهارة وشهادة»:

 

المعرفة لا تحتاج إلى موعد.

والتعلم لا يحتاج دائمًا إلى من يمسك بيدك في كل خطوة.

 

من مؤتمر إلى منصة... ومن منصة إلى رؤية أوسع

 

حين ننظر إلى مسيرتنا منذ مؤتمر التسرب المدرسي، نرى خيطًا متصلًا.

 

بدأ السؤال من التعليم ومشكلاته.

 

ثم اتجه إلى الوصول الرقمي.

 

ثم إلى التعلم الذاتي.

 

ثم إلى المنصات.

 

ثم إلى الذكاء الاصطناعي.

 

ثم إلى الألعاب التعليمية والتعلم القائم على التحدي.

 

لم نصل إلى هذه المجالات بقفزة مفاجئة.

 

إنها تطور طبيعي لسؤال واحد:

 

كيف نجعل التعلم أكثر قدرة على الوصول إلى الإنسان والتأثير فيه؟

 

مستقبلنا: التعلم الذي يريد المتعلم أن يعود إليه

 

نطمح إلى مرحلة لا يسأل فيها المتعلم:

 

متى تنتهي الدورة؟

 

بل:

 

ما التحدي التالي؟

 

نريد أن تصبح منصاتنا أكثر تفاعلًا.

 

وأن نوسع استخدام الألعاب التعليمية.

 

وأن نبني تجارب يتعلم فيها الطفل والشاب والمتدرب لأنه يريد الوصول إلى النتيجة، لا لأنه أُجبر على البقاء أمام المادة.

 

ونريد أن نربط ذلك بما نعمل عليه في الذكاء الاصطناعي والتعليم الرقمي والبحث والابتكار.

 

فالمرحلة القادمة لن تكون مرحلة كتاب إلكتروني بدل الكتاب الورقي فقط.

 

ستكون مرحلة تعلم يتفاعل ويتكيف ويتحدى ويستجيب للمتعلم.

 

الخلاصة

 

في عام 2019 كان أحد الأسئلة أمامنا هو:

 

كيف نواجه التسرب المدرسي؟

 

واليوم أصبح السؤال أوسع:

 

كيف نصنع تعليمًا يريد الإنسان أن يبقى فيه؟

 

جزء من الإجابة قد يكون في التقنية.

 

وجزء في الذكاء الاصطناعي.

 

وجزء في التعلم الذاتي.

 

وجزء مهم أيضًا في اللعبة.

 

لكن القضية في النهاية ليست لعبة ولا شاشة ولا شهادة.

 

القضية هي الإنسان.

 

هل نجحنا في إثارة فضوله؟

 

هل جعلناه يشعر أنه قادر؟

 

هل أعطيناه سببًا للمحاولة مرة أخرى؟

 

وهل جعلنا المعرفة شيئًا يريد الوصول إليه؟

 

هذه هي الرحلة التي نريد أن تستمر في «مهارة وشهادة» و«الجزري الرقمي»:

 

من التلقين إلى المشاركة.

ومن المشاهدة إلى التجربة.

ومن الحفظ إلى المهارة.

ومن التعليم الذي يطلب منك أن تبقى... إلى التعلم الذي يجعلك ترغب في العودة.

 

إعداد: فريق مهارة وشهادة

 

#الألعاب_التعليمية #التعلم_باللعب #التعلم_القائم_على_الألعاب #التسرب_المدرسي #التعليم_الرقمي #التعلم_الذاتي #الذكاء_الاصطناعي_في_التعليم #تطوير_المهارات #تعليم_اللغة_العربية #مهارة_وشهادة #الجزري_الرقمي